سوف نتطرق في هذا المقال الى موضوع ظهور الميزانية بالمغرب:
أولا:مقدمة:
لقد عرف المغرب منذ بداية القرن 20 توجها ماليا تقليديا، حيث ارتكز التنظيم
المالي بالمغرب على نظام الأمناء، وظهرت الميزانية كوثيقة مالية ومحاسبية
حديثة تهتم بضبط إيرادات ونفقات الدولة ابتداء من عام 1913 وبهذا تأسس النظام
المالي التقليدي بالمغرب على نظام الأمناء، بالاضافة الى وجود بنيات هيكلية
وتنظيمية في شكل خزائن لإيداع الموارد المالية. حيث تشكل نظام الأمناء في عهد
السلطان مولاي سليمان في القرن 17، وقد عرف تطورا ملحوظا بتقوية وتوسيع
أدواره في إطار الإصلاح المالي الذي عرفته فترة حكم السلطان مولاي الحسن
الأول. ويتكون هذا النظام من هيئة للأمناء موزعة على الصعيدين المركزي
والمحلي، ويرأسها أمين الأمناء.وعلى هذا المستوى، فقد اضطلع أمين الأمناء
بالإشراف على التدبير المالي العمومي في مختلف مجالاته. فقد كان على معرفة
تامة بالوضعية المالية للدولة سواء في الشق الإيرادي أو الإنفاقي، وايضا جميع
الأموال المنقولة وغير المنقولة التي تمتلكها الدولة. وفقد كان أمين الأمناء
يتولى إدارة مداخيل ونفقات المخزن، ومسك سجلات لكل مداخيل ونفقات بيت المال.
كما كان يتكلف بمهمة السهر على مراقبة كيفية صرف النفقات العمومية، وأيضا
القيام بمراقبة جميع الحسابات التي يوجهها الأمناء إلى السلطان. وكان يقوم
بالاشراف على اختيار الأمناء واقتراحهم على السلطان من أجل تعيينهم. وبهذا
يتبين إشراف أمين الأمناء على كل ما يتعلق بالنشاط المالي للمخزن سواء على
مستوى التحصيل أو الإنفاق، وذلك بمساعدة الأمناء الذين يمارسون مهامهم تحت
سلطته، بحيث كان يشرف على أعمالهم، ويطلع من خلال ذلك على مداخيل الدولة
ومصاريفها المحلية والمركزية.وبالإضافة إلى أمين الأمناء الذي يوجد على رأس
جهاز الأمناء، فقد انتظم هذا الجهاز في إطارهيكلة إدارية توزع من خلالها
الأمناء على المستويين المركزي والمحلي. وبهذا قد تعددت أصناف الأمناء على
المستوى المركزي، حيث تكلف بمهمة تدبير مالية المخزن مركزيا الأمناء
التاليين: أمين الخراج وأمين الدخل وأمين الحسابات وأمين الشكارة.أما على
الصعيد المحلي، فقد تولى عدد من الأمناء الإشراف على النشاط المالي المحلي من
أهمهم: أمين المرسى وأمين المستفاد وأمين الخرص. وعلى مستوى البنيات
الهيكلية، فقد كان المغرب يتوفرعلى شاكلة النظام المالي الإسلامي، على مؤسسة
بيت المال لتلقي وحفظ الأموال التي تأتي من مختلف المصادر الدينية
كالزكاة والجزية والخراج والعشور... وبالاضافة الى بيت المال الذي كان خاضعا
مباشرة للسلطان، توفر المغرب أيضا على خزينتين هما:
-خزينة دار الديال: وهي بمثابة بيت مال إداري تودع به جميع المداخيل التي لا
تكتسي الصبغة الدينية كالأعشار والصنك والمكوس والصاكة.
-خزينة السلطان: تضم الأموال والممتلكات الخاصة للسلطان.
ومن خلال ما سبق، يتضح أن جهاز الأمناء كان الهيئة الأكثر تنظيما بالمغرب خلال
فترة ما قبل الاحتلال. وقد أسس هذا الجهاز على شخصية الأمين وكفاءته واستقامته،
لكنه لم يرتكز على تنظيمات إدارية أو بنيات قانونية واضحة ودقيقة، ومن هنا
فالتوجه التقليد ي في التدبير المالي العمومي بالمغرب، لم يساعد على ضبط وتحديث
النظام المالي، بل كان سببا في تردي الأوضاع المالية للبلاد، الأمر الذي قاد
المغرب ليعيش أصعب فترة تاريخية من الناحية المالية.
ثانيا:مظاهر الأزمة المالية التي قادت المغرب للاستعمار:
-انتشار التعسف في فرض الضرائب وتحصيلها، وعدم الدقة في مجال صرف النفقات.
-استشراء الفساد المالي.
-انهيار نظام الأمناء.
-ثقل المديونية، وقلة الموارد، وتفاقم الإنفاق، وتدهور العملة.
-اختلال التوازنات المالية للدولة، وعجزها عن سداد الديون الخارجية المترتبة
في ذمتها.
وهذا أدى الى اقتراح الإعانة المالية على المغرب التي كانت تقتطع من موارده
الجمركية، كما بدأت الدول الأجنبية تفرض سيطرتها عليه، وبالتالي بدأت تتدخل في
السلطة الجبائية للدولة، مما ساهم في خضوع المغرب للإحتلال.
وفي ظل الاحتلال
قامت سلطات الاحتلال الفرنسية بمجموعة من العمليات لتحديث النظام المالي
المغربي،وذلك بإدخال تقنيات وآليات التدبير المالي العمومي، ومنها
الميزانية، وبالتالي ظهور الميزانية، كوثيقة محاسبية، حيث أن السلطات
الاستعمارية هي أول من بادر بوضع ميزانية بمفهومها الحديث داخل التراب المغربي،
من أجل التحكم في الأوضاع الاقتصادية والمالية وتوجيهها لما تقتضيه مصالحها.
وانطلاقا من ذلك، عرف المغرب أول ميزانية جهوية بمبادرة من السلطات الاستعمارية
في سنة (1910) وهي ميزانية همت منطقة الشاوية، تم تلتها ميزانيات محلية أخرى
شملت تدريجيا مناطق أخرى، وهي: المغرب الشرقي (1911)، ومكناس (1912)، والرباط وفاس ومراكش وتادلة (1913). وقامت سلطات الاحتلال بالغاء وظيفة أمين الأمناء،
وأحدثت المديرية العامة للمالية عام (1912) التي تكونت من عدة مصالح من أهمها؛
مصلحة الميزانية والأملاك المخزنية. وقد عملت هذه المديرية،على وضع أول ميزانية
تشمل مجموع التراب الوطني برسم السنة المالية (1913 ،1914) لكن المغرب مع ذلك
لم يعرف ميزانية منتظمة ذات طابع سنوي إلا ابتداء من سنة 1918 حينما صدرت
العديد من النصوص القانونية التي تنظم عملية إعدادها وتنفيذها،كمرسوم المحاسبة
العمومية سنة(1917) فضلا عن صدور قانون مراقبة الالتزامات بنفقات الدولة وغداة
الاستقلال، استمر المغرب في اعتماد الميزانية كآلية لتدبير موارده ونفقاته، كما
بادر إلى إرساء دعائم نظام مالي وطني مستقل، حيث تم إحداث وزارة المالية
سنة (1956) لتحل محل المديرية العام للمالية، وتم وضع أول ميزانية وطنية تغطي
مجموع التراب الوطني سنة(1958) فضلا عن ذلك، بادر المشرع المغربي إلى تحديث
بنيات نظامه المالي من خلال تغيير وتعديل مختلف القوانين، كتنظيم المحاسبة
العمومية، وإصدار أول قانون تنظيمي للمالية عام (1963) كما سعى المغرب إلى
تأسيس نظام عصري للرقابة من خلال إحداث المفتشية العامة للمالية، والمراقبة
المالية على المؤسسات العمومية، ومراقبة الالتزام بالنفقات.وكذا إحداث اللجنة
الوطنية للحسابات.ومن هنا يمكن القول بأن تاريخ ظهور الميزانية العامة بمفهومها
الحديث في المغرب يرتبط بخضوع المغرب للاحتلال الفرنسي حاصل القول أن النظام
القانوني للميزانية، والتغيرات التي عرفها مستمدة من التشريع الفرنسي بالدرجة
الأولى.
--------------------------
لائحة المراجع:
-قانون الميزانية العامة ورهان الحكامة المالية الجيدة للأستاذ عسو منصور.
-محاضرات في قانون الميزانية للأستاذ أحمد حسون.