الفقرة الأولى: العقد:
تعتبر العقود الأساس الذي تقوم عليه المعاملات القانونية في مختلف جوانب حياتنا فهي التي تنظم العلاقات بين الأفراد والشركات، وتحدد حقوق وواجبات كل طرف في العقد.
أولا: تعريف العقد:
العقد هو اتفاق ملزم بين طرفين أو أكثر، ينشئ حقوقا وإلتزامات، ويقوم على مبدأ سلطان الإرادة، أي حرية الأطراف في التعاقد وتحديد شروطه، مع بعض القيود لحماية النظام العام.
كما يمكن تعريف العقد بأنه توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني وهذا الأخير قد يكون إنشاء التزام أو نقل إلتزام أو تعديل إلتزام أو إنهائه.
من خلال التعريف يتبين أن أساس العقود هو حرية الإرادة، أي أن كل شخص حر في أن يتعاقد أو لا يتعاقد، وأن يختار شروط العقد ولكن هذه الحرية ليست مطلقة، فهناك قوانين تحمي المجتمع من العقود الظالمة أو الجائرة أو المخالفة للنظام العام.
أ- مبادئ سلطان الإرادة:
1-مبدأ الحرية العقدية:
يعني أن الشخص غير مجبر على إبرام عقد لا يريده، مع وجود بعض الإستثناءات، مثل العقود التي تفرضها الدولة لتوفير خدمات ضرورية للمواطنين.وكذلك بعض العقود التي يقوم القانون أحيانا بتحريم أي شروط فيها تخالف قواعده الآمرة أو تخالف النظام العام أو الآداب.
2-مبدأ الرضائية:
يعني أن الإرادة وحدها تكفي لإنشاء العقد، إلا إذا اشترط القانون شكلا معينا، كالكتابة في بعض العقود.
3-مبدأ القوة الملزمة للعقد:
يعني أن العقد يلزم طرفيه بما ورد فيه، ولا يجوز لأحدهما التحلل منه بإرادته المنفردة، إلا بموافقة الطرف الآخر، أو بموجب القانون.
ثانيا: تقسيمات العقود:
تتنوع العقود إلى عدة أنواع، بحسب معايير مختلفة:
-من حيث الشكل فهي: عقود رضائية (يكفي التراضي)، وشكلية (تتطلب شكلً خاصا)، وعينية (تتطلب تسليم الشيء).
-من حيث التسمية فهي: عقود مسماة (نظمها القانون)، وأخرى غير مسماة (لم ينظمها القانون).
-من حيث الغرض فهي: إما عقود معاوضة (كل طرف يقدم مقابلا)، إو عقود تبرع (طرف واحد يتبرع بلا مقابل).
-من حيث الإحتمالية فهي: عقود محددة (محددة وقت العقد)، وعقود إحتمالية (غير محددة إلا مستقبلا).
-من حيث التنفيذ فهي: عقود فورية (تنفذ فورا)،وأخرى زمنية (تنفذ على مدة).
-من حيث التعقيد فهي: عقود بسيطة (عملية قانونية واحدة)، وعقود مركبة (عدة عمليات قانونية).
-من حيث الإلزام فهي: عقود ملزمة للجانبين، وأخرى عقود ملزمة لجانب واحد.
أ-من حيث الشكل:
1-العقود الرضائية: يكفي فيها التراضي بين الطرفين، مثل عقد البيع العادي.
2-العقود الشكلية: تتطلب شكلا خاصا يحدده القانون، كالكتابة في عقد الرهن الرسمي.
3-العقود العينية: تتطلب تسليم الشيء محل العقد، مثل هبة المنقول.
ب-من حيث التسمية:
1-العقود المسماة: نظمها القانون وأعطاها اسما خاصا مثل عقد البيع والإيجار.
2-العقود غير المسماة: لم ينظمها القانون بشكل خاص، وتخضع للقواعد العامة في العقود، مثل عقد التأمين.
ج-من حيث الغرض:
1- عقود المعاوضة: كل طرف يقدم مقابلا للطرف الآخر، مثل عقد البيع.
2- عقود التبرع: أحد الطرفين يقدم دون مقابل،بمعنى لا يأخذ فيه أحد المتعاقدين مقابلا لما يعطي ولا يعطي للمتعاقد الآخر مقابلا لما يأخذ مثل عقد الهبة.
د-من حيث الإحتمالية:
1-عقود محددة: محددة وقت العقد،بمعنى المتعاقدين يحددان وقت العقد القدر الذي يعطيان والقدر الذي يأخذان مثل عقد البيع بثمن معلوم.
2-عقود إحتمالية: غير محددة إلا مستقبلا،لا يستطع فيه أي من المتعاقدين وقت التعاقد أن يحدد النصيب الذي يأخذه أو الذي يعطيه مثل عقد التأمين على الحياة.
هـ- من حيث التنفيذ:
1-عقود فورية: تنفذ فورا،لا يكون الزمن عنصرا جوهريا فيه فيكون تنفيذه في لحظة واحدة مثل عقد البيع.
2-عقود زمنية: تنفذ على مدة، بمعنى يكون الزمن عنصرا جوهريا فيه ولا يمكن تنفيذه إلا خلال مدة زمنية طالت أم قصرت مثل عقد الإيجار.
و-من حيث التعقيد:
1-عقود بسيطة: تتضمن عملية قانونية واحدة، أي تحقيق عملية قانونية واحدة مثل عقد البيع.
2-عقود مركبة: تتضمن عدة عمليات قانونية، مثل عقد النزول بالفندق الذي يشمل الإقامة والخدمات الأخرى.
ز-من حيث الإلزام:
1-عقود ملزمة للجانبين: تنشئ إلتزامات متقابلة على الطرفين، مثل عقد البيع.
2-عقود ملزمة لجانب واحد: تنشئ إلتزامات على طرف واحد فقط، مثل عقد الهبة.
الفقرة الثانية: الإلتزام:
سوف نتحدث في هذه الفقرة عن تعريف الإلتزام وأركانه وكذلك الآثار المترتبة عليه.
أولا: تعريف الإلتزام:
1-الإلتزام لغة:
الإلتزام في اللغة من اللزوم، أي الثبات والدوام، لزمه الشيء، أي صار واجبا ثابتا عليه.
وكمثال: عندما نقول إلْتَزَمَ الطالب بالدراسة، فهذا يعني أنه ثَبَتَ على الدراسة وداوم عليها.
2-الإلتزام اصطلاحا:
يعرّف الالتزام في الإصطلاح بتعريفين عام وخاص:
أ-الإلتزام بمفهومه العام:
أن يُوجب الإنسان على نفسه أمرا، إما باختياره وإرادته، كالتعاقد على بيع شيء أو إجارة أو هبة وغيرها من التصرفات والعقود، أو بإلزام الشرع له، كالنذر واليمين والنذر هو التزام شرعي على الشخص بفعل شيء ما إذا تحقق أمر معين.
وكمثال: توقيع عقد إيجار شقة هو التزام من المستأجر بدفع الإيجار ومن المؤجر بتوفير الشقة.
ب-الإلتزام بمفهومه الخاص:
أن يوجب الإنسان على نفسه القيام بمعروف، كالتبرع والهبة، وهذا المعنى خاص بالمذهب المالكي.
وكمثال: التبرع بمبلغ مالي لجمعية خيرية هو التزام بفعل الخير.
وبناء على تعريف الإلتزام، يتبين أن بين الإلتزام والعقد صلة، فالعقد التزام كذلك بين المتعاقدين، لكنه التزام من نوع خاص، يصدر عن طرفين لإجراء أمر كبيعٍ أو إجارة أو الرهن أو غيرها من الإلتزامات التي تنشأ بين طرفين، أما الإلتزام فيشمل إضافة إلى ذلك ما يصدر من طرفٍ واحد، يلزم نفسه بأمر كالوقف والنذر واليمين ونحوها.
ثانيا: أركان الإلتزام:
إن للإلتزام أركانا يقوم عليها، وتكمن فيما يلي:
1-الصيغة:
ويقصد بالصيغة الإيجاب والقبول الذي يصدر من طرفي الإلتزام، للدلالة على موافقتهما ورضاهما في إنشاء الإلتزام، وقد تكون الصيغة بالكلام أو الكتابة أو الإشارة الواضحة التي يفهم منها القبول.
وكمثال: في عقد البيع، الإيجاب هو قول البائع "بعتُك هذه السلعة بكذا"، والقبول هو قول المشتري "اشتريت".
2-المُلتَزِم ( أو المتعهد):
وهو أحد طرفي الالتزام من التزم بأداء أمرٍ ما أو الطرف الذي يتعهد بأداء الإلتزام، كتسليم شيء، أو القيام بمهمّةٍ، أو سداد دين ونحوها.
وكمثال: في عقد قرض، البنك هو المُلتَزِم بإعطاء القرض، والمقترض هو المُلتَزِم بالسداد.
3-المُلتَزَم له (أو المستفيد):
هو أحد طرفي الإلتزام، ويكون صاحب الحق أو الذي سيؤدَى له الإلتزام أو المستفيذ من الإلتزام.
وكمثال: في عقد التأمين، شركة التأمين هي المُلتَزِم، والمؤمَّن له هو المُلتَزَم له.
4-محل الإلتزام:
وهو الشيء الذي تم الإلتزام والإتّفاق عليه بين طرفي الإلتزام، كالعمل المطلوب إنجازه، أو السلعة المطلوب تسليمه، أو الدَين المطلوب سداده، ونحو ذلك، ويُشترط في محل الإلتزام بوجهٍ عام:
-أن يكون معلوم القدر والصفة، وأن يكون مشروعا يُسمح التصرّف به شرعًا.
وكمثال: في عقد عمل، محل الإلتزام هو أداء العامل لمهامه.
مثال آخر: في عقد بيع سيارة، محل الإلتزام هو تسليم السيارة ودفع ثمنها.
ثالثا: الآثار المترتبة على الإلتزام:
إذا أُنشئ الإلتزام وتم، فإنه يرتب عددًا من الآثار وهي:
1-ثبوت الملكية:
بعد إتمام الإلتزام يترتب عليه ثبوت حق التملّك للشخص الملتَزَم له، وينتقل إليه، كما في الإلتزام المترتب على عقد البيع فإن ملكيّة المبيع تنتقل إلى المشتري بمجرد إتمام الإلتزام.
وكمثال: بعد إتمام عقد شراء منزل، تنتقل ملكية المنزل من البائع إلى المشتري.
2-حق الحبس:
ويُقصد به أنّ الملتَزِم صاحب محل الإلتزام له أن يحبس محل الإلتزام ويمتنع عن تسليمه إلى حين استيفاء حقه الذي رتبه الإلتزام، فللبائع مثلا أن يحبس المبيع عن المشتري ويمنعه من التصرف فيه إلى حين دفع الثمن، وللمؤجر أن يمنع المستأجر من الإنتفاع بما استأجره إلى حين دفع الأجرة إن كانت الأجرة معجَلة.
مثال: يحق لورشة إصلاح السيارات حبس السيارة حتى يدفع صاحبها تكلفة الإصلاح.
3-حق التصرف:
حيث يحق للملتَزَم له أن يتصرَف في محل الإلتزام ما دام قد أدى ما عليه، فللمشتري مثلا حق التصرف فيما اشتراه بالبيع أو الهبة أو غيرها، ما دام قد دفع ثمنها.
مثال على ذلك: بعد شراء قطعة أرض، يحق للمشتري بناء منزل عليها أو بيعها.
4-الضمان:
ويُقصد به أن المُلتزِم إذا أتلف محل الإلتزام أو قصر في حفظه؛ فإنه يضمنه بدفع ثمنه، كمن التزم ببيع سلعة، ودفع المشتري ثمنها، وقبل أن يستلمها أتلفها البائع أو ضاعت لتقصيره في حفظها؛ فإن البائع يضمن ثمنها، كما أن الملتَزَم له إذا قصر في حفظ محل الإلتزام الذي استلمه على سبيل الإجارة يضمن كذلك، كمن استأجر بيتا، فأتلفه بتقصيرٍ فإنه يضمن ما أتلفه فيه.
-----------------------------------
لائحة المراجع:
-الوجيز في النظرية العامة للالتزام للدكتور محمد اليازيدي.
-قانون الإلتزامات والعقود.
-الوجيز في القانون المدني المغربي للدكتور محمد الكشبور.
-العقود المسماة للدكتور خليفة الخروبي.