أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار


مقدمة:
تُعتبر العدالة من المبادئ الأساسية التي نص عليها القرآن الكريم مصداقا لقوله تعالى في كتابه الكريم: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (سورة النحل، الآية 90). وقد اهتمت النظريات الفلسفية بهذا المبدأ الأساسي في بحثها عن هدف السعادة، كل بطريقتها الخاصة للإرتقاء بالإنسان. فالعدالة تُجسد أعلى العلاقات بين الناس، وتُقرر الحقوق الإنسانية، وتُؤسس لعقد اجتماعي يحكم الدول.
فلا يكاد المرء يستطيع التفكير في مبدأ يضاهي العدالة في أهميته لصالح الإنسان، فهي منبع كل المبادئ التي يسعى إليها الإنسان لإصلاح ذاته، حيث تنطلق منها كل مبادئ الحق والحرية والمساواة بين البشر، من حقيقة أن الناس ينبغي أن يكونوا متساوين، وأن احترام حرية الشخص وحقوقه الإنسانية يعتبر أمرا بالغ الأهمية.
وقد حرصت العدالة الجنائية على اعتبار المساواة الدستورية معيارا هاما من معاييرها، فهي من الضمانات التي يقرها القانون لتحقيق التوازن بين العقوبة الجنائية والشرعية الإجرائية.
وتعتبر قضية تحقيق العدالة اليوم من أهم المواضيع التي تشغل الضمير الإنساني في إطار اهتمام المجتمع الدولي بحقوق الإنسان وحرياته، ولتحقيق حكم العدالة يجب أن تتوفر مجموعة من الأسس والمبادئ لضمان حقوق الأفراد السياسية.
وتهدف حماية الحقوق الخاصة إلى إلقاء القبض على المتهمين ومحاكمتهم، والتي يجب احترامها وعدم انتهاكها. وضمانات الحق في محاكمة عادلة هي أسس وإجراءات نصت عليها القوانين  لتحديد حقوق وإلتزامات الأفراد، من مدنية وشخصية وسياسية واجتماعية، وتحديد وتوصيف الحقوق المالية والإقتصادية، وكيفية حمايتها من الإعتداء عليها، وهذا الإطار مرتبط بموضوع ضمانات المحاكمة العادلة.
وتعتبر الوسائل التي يمنحها القانون للشخص خلال جميع أطوار المحاكمة، لكي يتمتع بحقوقه في مواجهة السلطات المعنية، والتي تتمثل في كفالة تطبيق الإجراءات الجنائية تطبيقا سليما، وكفالة الأجهزة المنوط بها مهام البحث والتحقيق والمحاكمة، درءا لكل أشكال التجاوزات.
والمحاكمة تعتبر أهم مرحلة يتم فيها مراعاة حقوق الإنسان، وتشمل جميع الإجراءات المتبعة للكشف عن ملابسات الجريمة، كالتحريات الأولية أو الإجراءات التي سبقتها كالتحقيق القضائي. 
ومن ثم، فإن المحاكمة العادلة يجب أن تتضمن عدة معايير لتوصف بأنها عادلة، هذه المعايير التي تؤطر المحاكمة منذ بدايتها إلى نهايتها، والتي تستوجب أن تقوم سلطة مستقلة محايدة بتنفيذها والسهر على احترامها.
فحق الإنسان في محاكمة عادلة أصبح في عصرنا الحالي، الذي يعرف مجموعة من التحولات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، يعتبر مرحلة حاسمة في الدعوى الجنائية، لما لها من أهمية كبيرة في التأثير على مصير المتهم.
وفي إطار التحولات التي عرفها العالم بأسره وتفاعلا مع المرجعيات الدولية لحقوق الإنسان، فإن المغرب قام بدسترة ضمانات الحق في المحاكمة العادلة، وأعطى مكانة مهمة للحقوق والحريات في البلاد.
سنتناول في هذا الموضوع ضمانات المحاكمة العادلة في الدستور المغربي (المطلب الأول)، ثم ضمانات المحاكمة العادلة في قانون المسطرة الجنائية المغربية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: ضمانات المحاكمة العادلة في القانون الدستوري المغربي:

سنتناول في هذا المطلب الضوابط الدستورية العامة للمحاكمة العادلة (الفقرة الأولى)، ثم الضوابط الدستورية الخاصة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الضوابط الدستورية العامة للمحاكمة العادلة:

خولت مختلف التشريعات حقوقا جوهرية ذات طبيعة عامة للمتقاضين، تلزم السلطة العامة باحترام مجموعة من الضوابط، تتمثل في مبدأ استقلال السلطة القضائية (أولا) واحترام مبدأ المساواة (ثانيا).

أولا: مبدأ استقلال السلطة القضائية:

يُقصد باستقلال السلطة القضائية تحرر سلطتها من أي تدخل من جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويقتضي ذلك عدم خضوع القضاة لغير القانون، ووجوب تطبيقهم للقانون وتفسير إرادة المشرع على الوجه الصحيح، وهو ما لا يتأتى إلا إذا كان القاضي كامل الحرية في استخلاص هذه الإرادة، غير متأثر بأي فكرة وغير خاضع لتدخل من هاتين السلطتين.
وقد نص الدستور المغربي في الفصل 107 على مايلي:"السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.
الملك هو الضامن لإستقلال السلطة القضائية".
ويتجلى استقلال السلطة القضائية في الدستور المغربي من خلال منع أي تدخل في القضاء، من خلال أوامر أو تعليمات أو ضغوط، وقد أوكل الدستور مهمة إحالة كل أمر يتعلق بتهديد استقلالية القضاء إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كما رتب متابعة قانونية على كل إخلال أو محاولة تأثير من أي قاض على استقلال السلطة القضائية، وهذا ما جاء في الفصل 109 من الدستور المغربي الذي نص على ما يلي:"يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط.
يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
يعد كل إخلال من القاضي بواجب الإستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة.
يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة". 
إن المشرع المغربي، من خلال دساتيره السابقة، حرص على تكريس مبدأ استقلال القضاء، وأكد في الفصل 82 من دستور 1996 على أن القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، غير أنه لم يضف على القضاء صفة السلطة، وهو أمر من شأنه أن ينال أو يشكك على الأقل في وضعه الإعتباري بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومن شأنه أن يوحي بفكرة أن القضاء وظيفة أو هيئة لا سلطة. لكن المشرع المغربي، من خلال الفصل 107 من دستور 2011، ارتقى بالقضاء إلى سلطة قضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما جعل الملك الضامن لإستقلالها، وتأكيدا لإستقلال القضاء في مواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية، فإن القضاء يستأثر بإدارة شؤونه الداخلية بنفسه، حيث أسند الدستور للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهو مؤسسة دستورية، صلاحية تسيير الأمور الوظيفية للقضاء، من تعيين وترقية ونقل وتأديب وإنهاء خدمة، وهذا ما نص عليه صراحة في الفصل 113 من دستور 2011 الذي ينص على ما يلي:"يسهر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة ولاسيما فيما  يخص استقلالهم وتعيينهم  وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم....". بالإضافة إلى تغييب وزير العدل عن تشكيلة المجلس، باعتباره من السلطة التنفيذية، وكل تدخل منه يؤكد تبعية القضاء له ويهدد استقلاليته.

ثانيا: مبدأ المساواة أمام القضاء:

يُقصد بالمساواة أمام القضاء أن يكون الحق في التقاضي مكفولا للجميع على قدم المساواة، وأن يكون القضاء الذي يتقاضى أمامه الجميع واحدا، وهو ما يقتضي عدم التمييز بينهم، وتقديم المساواة مع الغير دون أدنى تمييز، وألا تختلف المحاكم باختلاف الأشخاص الذين يتقاضون أمامها، وكذلك أن تكون إجراءات التقاضي التي يسير عليها المتقاضون واحدة.
وقد أكد الدستور المغربي هذا المبدأ من خلال الفصل السادس منه، والذي جاء فيه:"القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين واعتباريين بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه، وملزمون بالإمتثال له".
ويُطبق مبدأ المساواة أمام القانون تحقيقا للمساواة بين جميع الناس في ممارسة حق التقاضي، من حيث الأصل، وتحقيق المساواة في معاملة الخصوم من مجلس الحكم مطلقا، والمساواة أمام العقوبات المطبقة.
كما يعتبر منع إحداث محاكم استثنائية تجسيدا لمبدأ القضاء الطبيعي الذي يكمل مبدأ القضاء وحياده، ويعتبر نتيجة لمبدأ المساواة أمام القضاء، بحيث يحاكم كل مواطن أمام قضاء طبيعي وألا يحاكم أمام محاكم استثنائية. ويطلق مصطلح المحاكم الإستثنائية على جهات الحكم التي يكون لها اختصاص محدد بصفة استثنائية، بحيث يتعلق فقط بفئة معينة من الجرائم والمجرمين تبينها النصوص بصفة حصرية، فعلى خلاف المحاكم العادية التي لها ولاية عامة في الإختصاص، فإن المحاكم الإستثنائية لا يمكن لها أن تنظر إلا في بعض الجرائم المحددة على سبيل الحصر، وإذا كانت هذه الظاهرة لم تعرف انتعاشا بالمغرب، إذ تم إلغاء محكمة العدل الخاصة سنة 1969، إلا أن الإشكال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو وضعية المحاكم الإستثنائية المعمول بها في المغرب، من قبيل المحكمة العسكرية والمحكمة  الخاصة بالنظر في جرائم الإرهاب، خاصة أمام النص الدستوري الجديد الذي يمنع إنشاء محاكم استثنائية.
ويبقى أن نشير في الأخير إلى إشكاليتين تتعلقان بمبدأ المساواة، وهما الحصانة البرلمانية والقضائية وعلاقتهما بهذا المبدأ، فهل يمكن اعتبار هاتين القاعدتين ضربا لمبدأ المساواة أم هما من الإستثناءات الواردة على هذا المبدأ.
لقد أحاط المشرع فئة معينة بضمانات وقواعد معينة فيما يتعلق بتحريك الدعوى العمومية في مواجهتهم والتحقيق معهم ومحاكمتهم عن الجرائم التي تنسب إليهم، فأخضع هذه الفئة من الأشخاص لقواعد إجرائية خاصة تختلف عن تلك المطبقة على سائر الأفراد العاديين، وفي نظر البعض لم يقم المشرع بخرق مبدأ المساواة لمجرد تمييز هذه الفئة عن غيرها، وإنما قرر هذه القواعد والضمانات حماية للسلطة التي يمثلونها، وهي السلطة القضائية.
وقد نص الدستور المغربي في الفصل 64 على ما يلي:"لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان ولا البحث عنه ولا إلقاء القبض عليه، ولا اعتقاله ولا محاكمته، بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه، ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي أو يتضمن ما يخل بالإحترام الواجب للملك".

الفقرة الثانية: الضوابط الدستورية الخاصة للمحاكمة العادلة:

سنتناول في هذه الفقرة مجموعة من الضمانات المتعلقة بحماية حقوق الأشخاص المتهمين بفعل إجرامي في مواجهة كافة إجراءات الدعوى العمومية، وذلك في محورين: الأول يختص بحقوق قرينة البراءة، والثاني يختص بحقوق الدفاع.

أولا: قرينة البراءة:

إن هذا هو الأصل في الإنسان، حيث من الثوابت أن المرء يولد بريئا على الفطرة ويستمر هذا الأصل مصاحبا له على الدوام، ولا ينتقض إلا بحكم قضائي يقيني بالإدانة. ويترتب على هذا الوضع قاعدة ذهبية وهي "البينة على من ادعى". وعلى غرار هذا المبدأ، نجد المشرع المغربي من خلال دستور 2011 ينص على قرينة البراءة من خلال الفصل 23 الفقرة الرابعة التي جاء فيها ما يلي:"قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان". وفي الفصل 119 أكد على هذا المبدأ بقوله:"يُعتبر كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة بريئًا، إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به".
ويجد هذا المبدأ مرجعيته في الشريعة الإسلامية وكذا المواثيق والإعلانات الدولية، فضلا عن تكريس مختلف دساتير العالم لهذا المبدأ ومنها الدستور المغربي، إذ تمارس الدولة حقها في تتبع المجرمين وتحقيق الردع العام والحفاظ على الأمن داخل البلاد بواسطة القضاء، غير أنه إلى جانب هذا الحق الدستوري للدولة هناك أيضا حماية للحقوق والحريات الأساسية والمضمونة لكل مواطن حتى وإن كان محل متابعة قضائية، وبالتالي فلا يجب حرمانه من حريته خلال مرحلة البحث والتحقيق والمحاكمة الجنائية، إلا إذا كان هناك ضرورة لإلقاء القبض عليه واعتقاله احتياطيا.
وقد أحاط المشرع المغربي قرينة البراءة بمجموعة من الضمانات، منها ما جاء في الوثيقة الدستورية ومنها ما تم التنصيص عليه في قانون المسطرة الجنائية. فقد أكد الدستور من خلال الفصل 24 على أهمية حماية الحياة الخاصة للأفراد، وبالتالي حماية حرية المسكن وحرمته حماية للفرد من نفس السلطة، من خلال تأكيده على أن لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة، ولا تنتهك حرمة المنزل، ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون.
كما اعتبر الإتصالات الشخصية جزءا من الحياة الحميمية للأفراد، وبالتالي لم يُجز الإطلاع على مضمونها أو نشرها، كلها أو استعمالها ضد أي كان، وإذا كانت متطلبات البحث عن الحقيقة وضرورة حماية حقوق المواطنين الآخرين تتطلب الإطلاع على الإتصالات الشخصية، وتتبع تحركات بعض الأفراد، فإن ذلك يتطلب أمرا قضائيا. إضافة إلى ذلك، ومن خلال النص الدستوري، فإن حرية التنقل عبر التراب الوطني والإستقرار فيه مضمونة، إلا أنه في بعض الأحيان يمكن وضع بعض القيود على هذه الحرية تحقيقا لمصلحة الدولة والمجتمع، وهو ما تم التنصيص عليه في الفصل 23 من الدستور.
قد يعجبك ايضا

ثانيا: حقوق الدفاع:

يُقصد بالحق في الدفاع تمكين المتهم من درء التهمة عن نفسه إما بإثبات فساد دليلها، أو إقامة الدليل على نقيضها وهو البراءة، فالدفاع بطبيعته يقتضي الإلمام بأمر الإتهام، فإذا كان هناك دفاع واقعي، فهو ضرورة منطقية له، إذ لا يمكن أن يُدان إلا من ثبتت إدانته لا مجرد اتهامه، والإتهام يحتمل الشك بطبيعته وقدر الشك هو قدر الدفاع ومجاله. ويمكن القول بأن الحق في الدفاع هو عرض طلبات الخصم وأسانيده والرد على طلبات خصمه وتنفيذها، وإثبات الحق أو نفي التهمة على نحو يمكن للمحكمة الحكم فيه تحقيقا للعدالة.
وعلى نفس المنوال سار المشرع المغربي من خلال إقراره لهذا المبدأ في الفصل 120 من الدستور المغربي، بقوله:"لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول.
حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم".
ويرتبط الحق في المحاكمة العادلة بحق جوهري يتعلق بضمان الدستور المغربي لحقوق الدفاع أمام المحاكم، والذي يعطي الشخص من الوقت والتسهيلات ما يكفيه لإعداد دفاعه والإتصال بمحاميه، وإن لم يكن لديه القدرة على الدفاع عن نفسه، وأن لا يخاطر بحقه في وجود من يدافع عنه، وإذا لم يكن لديه محامٍ باختياره، فإن الإعداد للدفاع يقتضي توفر الضمانات التي تسمح للمحامي بأن يمارس دوره في الدفاع عن موكله، وأن يقتصر على عرض المشكل دون المساس بمهام المحامي، وأن يتم تعيينه وفق ظروف قانونية مقبولة، لتحقيق المحاكمة العادلة دون تهميش لمهام الدفاع.
ويترتب عن الحق في الدفاع مجموعة من الحقوق أهمها:
1-حق المتهم في الإحاطة بالتهم الموجهة إليه:
ومعناه حق المتهم في معرفة التهمة الموجهة إليه قبل المحاكمة، وهذا الحق يجد سنده في الدستور المغربي من خلال الفصل 23:"يجب إخبار كل شخص تم اعتقاله، على الفور وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله وبحقوقه....".
وقد تم التنصيص على الحق في معرفة التهمة الموجهة إلى المشتبه أثناء المحاكمة من خلال الفصول 308 و319 من قانون المسطرة الجنائية.
2-الحق في التزام الصمت:
يُقصد بالحق إلتزام الصمت حرية المتهم الكاملة في عدم إبداء أقواله والإمتناع عن الإجابة عن الأسئلة التي توجه إليه، على ألا يؤثر صمته هذا في مصلحته.
وقد بادر المشرع المغربي إلى اعتبار الحق في التزام الصمت حقا من الحقوق الأساسية وضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة. وهذا ما جاء به الدستور المغربي، حيث تم التنصيص على هذا الحق في الفصلين 23 و 120.

المطلب الثاني:ضمانات المحاكمة العادلة في قانون المسطرة الجنائية:

يهدف قانون المسطرة الجنائية إلى إبراز المبادئ والأحكام الأساسية لحقوق الإنسان، وتوفير الظروف اللازمة للمحاكمة العادلة. ولذلك، حرص على إقرار المبادئ التالية:
-توضيح وتفصيل وضمان حقوق الأطراف في المسطرة الجنائية.
-تحقيق العدالة والمساواة بين سلطات التحقيق وسلطات الحكم.
-افتراض براءة المتهم ما لم تثبت إدانته بحكم قضائي.
-تفسير الشك دائما لصالح المتهم.
- تمتع كل شخص بالحق في العلم بجميع أدلة الإثبات ومناقشتها.
-حق الشخص في محاكمة عادلة أمام قاض مستقل.
-حق كل شخص مدان في طلب إعادة فحص التهم المنسوبة إليه أمام محكمة أخرى عبر وسائل الطعن المحددة قانونيا.
وعموما، يمكن إجمال أهم ضمانات المحاكمة العادلة في قانون المسطرة الجنائية في النقاط التالية:

الفقرة الأولى: قرينة البراءة:

نصت المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية على أن الأصل هو براءة المتهم، إلى أن تثبت إدانته بحكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناءً على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية. وهذا يؤكد التزام المشرع المغربي بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
وقد عمل المشرع المغربي على إحاطة قرينة البراءة بعدة تدابير لتعزيزها وتقويتها، ومن بينها:
-اعتبار الإعتقال الإحتياطي والمراقبة القضائية تدبيرين استثنائيين.
-ترسيخ حق المتهم في الإشعار بالتهمة.
-حقه(أي المتهم) في الإتصال بمحامٍ خلال فترة تمديد الحراسة النظرية، وحق المحامي في تقديم ملاحظات كتابية خلال تلك الفترة.
-حق المتهم في أن تعلم عائلته بوضعه تحت الحراسة النظرية.
-إمكانية طلب إجراء فحص طبي على المعتقل.
-إلزام القاضي بتضمين حيثيات الحكم الذي أصدره.
-عدم الإعتداد بأي اعتراف ينتزع بالعنف أو الإكراه.
-إمكانية نشر قرارا عدم المتابعة الذي يصدره قاضي التحقيق في الصحف بناء على طلب من يعنيه الأمر أو النيابة العامة.
ومن تجليات قرينة البراءة أن الإثبات في الجرائم يقع على عاتق النيابة العامة، باعتبارها طرفا أصيلا ومدافعا عن مصالح المجتمع، تقف في مواجهة متهم الأصل فيه أنه بريء ما لم تثبت إدانته عن طريق وسائل الإثبات، ولا يجوز اتخاذ سكوت المتهم دليلا ضده. وإذا عجزت النيابة العامة عن إثبات الجريمة، فإن الشك يفسر لصالح المتهم.
كما يجب الأخذ بمبدأ تكافؤ الفرص بين طرفي الدعوى (النيابة العامة والمتهم) في جميع إجراءات الدعوى، مع اعتبار النيابة العامة طرفا يسعى إلى تحقيق العدالة وإظهار الحقيقة، وليس فقط إلى إدانة المتهم.
ومن تجليات قرينة البراءة سرية البحث والتحقيق، حيث تنص المادة 15 من قانون المسطرة الجنائية على أن الأبحاث والتحريات والإجراءات التي تتم بمناسبة التثبت من الجرائم يجب أن تتم في سرية مطلقة. وقد نص الفصل 446 من القانون الجنائي على عقوبات جنائية جزاءً لكل من يساهم في البحث وملزم بكتمان السر المهني، ويعمل على إفشائه.
وتعتبر الحراسة النظرية من الإجراءات التي تتنافى مع قرينة البراءة، ولذلك وضع المشرع مجموعة من الضمانات لتنظيمها، وتتمثل في:
-اقتصار الحراسة النظرية على الجرائم التي يعاقب عليها بالسجن، وإقصاء المخالفات والجنح التي يعاقب عليها بالغرامة فقط (المادتان 66 و80).
-ضرورة أن يقتضي البحث وضع الشخص تحت الحراسة النظرية.
-تحديد مدة الحراسة النظرية (48 ساعة قابلة للتجديد 24 ساعة، وتحدد في 96 ساعة قابلة للتجديد مرة واحدة في جرائم أمن الدولة الداخلي والخارجي وإذا تعلق الأمر بالجرائم الإرهابية فالمدة تحدد في 96 ساعة قابلة للتجديد مرتين مع ضرورة إشعار النيابة العامة بالتجديد).
-احترام الشكليات الخاصة بالوضع تحت الحراسة النظرية، وتوفير بعض الضمانات القانونية، مثل حق الإتصال بالمحامي، والتزام النيابة العامة بمراقبة ظروف الوضع تحت الحراسة النظرية، وتقديم تقرير يومي عن الوضع إلى النيابة العامة، وغير ذلك من الضمانات التي تكفل عدم التعسف والإساءة في اللجوء إلى هذه الإمكانية التي تعتبر استثناءً.

الفقرة الثانية: حقوق الدفاع:

أولا: مرحلة البحث التمهيدي:

أعطى قانون المسطرة الجنائية للشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية في حالة تمديدها الحق في طلب الإتصال بمحام، وذلك ابتداءً من الساعة الأولى لتمديد الحراسة النظرية، وتستغرق مدة الإتصال 30 دقيقة تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية، مع مراعاة سرية اللقاء.
ويمكن للنيابة العامة تأخير اللقاء بناءً على طلب من ضابط الشرطة القضائية، إذا تعلق الأمر بالجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية، على ألا يتجاوز التأخير 48 ساعة.
كما أن للمحامي الحق في تقديم وثائق وملاحظات كتابية للشرطة أو النيابة العامة لإضافتها إلى المحضر، مقابل إشهاد بذلك ومحاولة كشف مدى تفعيل حق الدفاع الذي نصت عليه المادة 80 من قانون المسطرة الجنائية في فقرتها السادسة.
وتجدر الأشارة إلى أن حضور المحامي بالشكل الذي تحدده المادة لا يرمي فعلا إلى حماية المتهم وذلك راجع إلى عدة اعتبارات تحول دون تفعيل هذا الحق نذكر منها:
-ضرورة حضور ضابط الشرطة القضائية عند الإتصال بالمحامي وكون الإتصال عبارة عن حوار بين المحامي والمتهم وخلال الساعة الأولى للتمديد فقط ما لم يتم طلب التأخير الذي قد يجعل الإتصال بعد 144 ساعة من إلقاء القبض في جرائم أمن الدولة والجرائم الإرهابية.
ومع ذلك، فإن حضور المحامي قد يقتصر على مجرد مساندة معنوية فقط، بسبب تأثير النيابة العامة السلبي من خلال سيطرتها على سلطة الإحالة على التحقيق، مما يلغي تكافؤ الفرص.
تدفعنا كل هذه العراقيل إلى المطالبة بضرورة تدخل المشرع لتجاوز هذه الثغرات، خصوصا أمام حساسية وأهمية مرحلة البحث التمهيدي في المحاكمة الجنائية، حيث تتوقف عليها نتائج المحكمة بالإدانة أو البراءة.

ثانيا: التحقيق الإعدادي:

لقد أقر المشرع المغربي بمبدأ وضوح الحقوق التي يتمتع بها المحامي خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، وذلك بموجب المادة 139 من قانون المسطرة الجنائية.
ودور المحامي هنا لا يقتصر على المرافعة ومناقشة الحجج، بل يشمل أيضا ملاحظة الطريقة التي يسير عليها قاضي التحقيق في إجراءاته، لكي لا يتم المساس بحقوق الدفاع إلا بحضور المحامي، حيث لا يمكن لقاضي التحقيق استجواب المتهم أو إجراء أي مواجهة إلا بحضور المحامي، ما لم يتنازل المتهم صراحة عن ذلك.
ويتم استدعاء المحامي إلى مكان الإستجواب قبل يومين على الأقل، بشرط الإلتزام بالسرية.
كما لا يمكن للمحامي توجيه الأسئلة أثناء استنطاق المتهم إلا بإذن من قاضي التحقيق، وفي حالة عدم الموافقة، يتم تسجيل الأسئلة في المحضر.
ومن بين أهم الضمانات الممنوحة أيضا للمتهم خلال هذه المرحلة، نجد حقه في التزام الصمت طبقا لمقتضيات المادة 134 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تلزم قاضي التحقيق بإشعار المتهم بأنه حر في عدم الإدلاء بأي تصريح، ويمنع عليه إجباره أو إكراهه على الحديث.

الفقرة الثالثة: تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة:

لقد عزز المشرع المغربي ضمانات المحاكمة العادلة بمجموعة من الإجراءات، منها:
-ضرورة إستعانة ضابط الشرطة القضائية بمترجم، إذا كان الشخص المستمع إليه يتحدث لغة أو لهجة لا يحسنها ضابط الشرطة القضائية، أو استعانته بشخص يحسن التخاطب مع المعني بالأمر إذا كان أصما أو أبكما، وإمضاء المترجم على المحضر طبقا لمقتضيات المادة 21 من قانون المسطرة الجنائية.
-إحترام أوقات التفتيش، حيث لا يمكن مباشرة تفتيش المنازل قبل الساعة السادسة صباحا وبعد التاسعة ليلا، إلا إذا طلب ذلك صاحب المنزل، أو في حالة الإستغاثة من داخله، أو في الحالات الإستثنائية التي ينص عليها القانون. ومع ذلك، يمكن مواصلة التفتيش الذي بدأ في الأوقات القانونية. ولكن يمكن مباشرة التفتيش دون إذن صريح من صاحب المنزل في حالة البحث عن متهم في حالة تلبس. وعدم احترام هذه الضوابط يعرض إجراءات التفتيش للبطلان، مع إمكانية المساءلة عن جنحة انتهاك حرمة المنزل.
-وجوب حضور بعض الأشخاص لعملية التفتيش إلى جانب ضابط الشرطة القضائية، فإذا كان المنزل يشتبه في مشاركة شخص فيه في جريمة، وجب أن يجري التفتيش بحضور هذا الشخص أو ممثله، وفي حالة تعذر ذلك، وجب استدعاء شخصين من غير الخاضعين لسلطة ضابط الشرطة القضائية لحضور عملية التفتيش. ولضابط الشرطة القضائية الحق في انتداب إمرأة لتفتيش النساء المتواجدات في مكان التفتيش.
-إذا كان التفتيش يجري في أماكن معدة للإستعمال المهني من طرف شخص يلزمه القانون بكتمان السر المهني، فلا يجري التفتيش إلا بعد إشعار النيابة العامة المختصة، واتخاذ جميع التدابير لإحترام السر المهني.
-حق الطعن في الحكم متى تبين أنه جانب الصواب كليا أو جزئيا.
-سهر النيابة العامة على تنفيذ العقوبات الجنائية، وإعطائها الحق إلى جانب قاضي تنفيذ العقوبات وقاضي التحقيق ورئيس الغرفة الجنحية بزيارة مؤسسات السجون لمراقبة ظروف الإعتقال وتطبيق العقوبات السالبة للحرية.
في الختام، يمكن القول إن التشريع المغربي يوفر مجموعة من الضمانات الهامة للمحاكمة العادلة، ولكن يبقى التحدي في ضمان تطبيق هذه الضمانات بشكل فعال على أرض الواقع.
------------------------------------
لائحة المراجع:
-دستور المملكة المغربية.
-قانون المسطرة الجنائية.
-ضوابط المحاكمة العادلة في ضوء الإصلاحات الدستورية للأستاذة جميلة بوستاوق.
-الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة للأستاذ أناس المكوي.
-المحاكمة العادلة للأستاذ حميدا ربيعي.
-تجليات قرينة البراءة في قانون المسطرة الجنائية للأستاذ بوجمعة شوقي.
-محاضرات في قانون المسطرة الجنائية للأستاذ محمد بوزلافة.
تعليقات