أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

مراحل تشكل العلاقات الدولية وأسباب ظهورها

مقدمة:

لا يقتصر مفهوم العلاقات الدولية على مجرد الأحداث والوقائع، بل يشمل أيضا الخطاب الأكاديمي الذي يتناول هذه الظاهرة. وبالتالي، تعتبر العلاقات الدولية مجالا معرفيا دراسيا حول ظاهرة العلاقات الدولية، مما جعلها حقلا للمعرفة المنهجية، وموضوعا للبحث المنظم الذي يهدف إلى الوصف الشامل للظاهرة، وتحديد الأسباب والغايات منها لتفسير التفاعلات التي تتضمنها، بل والتنبؤ بتطوراتها المتوقعة.
تشير العلاقات الدولية إلى ذلك المجال المعرفي الذي يسعى إلى فهم ظاهرة العلاقات الدولية بشكل علمي، وذلك بالإعتماد على مناهج تهدف إلى دراسة الظاهرة والتحكم فيها.
ولقد سعى مجال العلاقات الدولية إلى أن يكون فرعا علميا مستقلا بذاته، له موضوعاته الخاصة، ومجموعة النظريات التي تميزه عن غيره، بالإضافة إلى المناهج القادرة على تحقيق ذلك.
وظل هذا الهدف يسعى إليه العديد من الباحثين والمفكرين، وذلك من خلال إخضاع ظاهرة العلاقات الدولية لأدوات الخطاب العلمي.
من هذا المنظور، فإن التأسيس الأكاديمي لمجال العلاقات الدولية كتخصص علمي استلزم الإنتقال من التفسيرات الدينية والأسطورية والفلسفية (التأملية-الذاتية) إلى الدراسات العلمية التي تهدف إلى فهم الواقع الدولي والإحاطة به في ديناميكيته وشموليته، وذلك من خلال استخدام المنهج العلمي الذي ينطلق من الواقع في محاولة لفهمه وتفسيره.
يمكن القول إن العلاقات الدولية مرت بمرحلة التفكير التأملي - الذاتي أو ما قبل العلمية إلى مرحلة المعرفة العلمية، وذلك لأسباب معينة وظروف تاريخية محددة.

أولا:مراحل تشكل العلاقات الدولية:

1-المرحلة ما قبل العلمية:

قبل أن تتحول العلاقات الدولية إلى مادة معرفية مستقلة، ومعترف بها في بداية القرن العشرين، كان هناك اهتمام بالظاهرة، أو على الأقل لم تكن العلاقات الدولية وإن كان يعبر عنها بتعابير مختلفة شيئا مجهولا، بل كانت تظهر بصورة أو بأخرى في كثير من الوثائق والكتب السماوية وحتى الأساطير، وذلك منذ آلاف السنين.
هكذا، نجد في الكتب السماوية أوصافا لوقائع وأحداث تاريخية من أجل استخلاص العبر، وإعطاء مغزى للوجود الإنساني، ومعنى لسلوكات البشر.
علاوة على ذلك، نصادف العلاقات الدولية في كتب فلاسفة التاريخ من ثيوسيديدس إلى توينبي مرورا بابن خلدون، وهيغل وكارل ماركس وغيرهم، إذ تعنى هذه الكتب بالتاريخ الإنساني ككل، وتهدف إلى استجلاء منطق التطور التاريخي، واكتشاف ثوابته ومتغيراته انطلاقا من وقائع التاريخ.
وفضلا عن ذلك، حفلت أدبيات العلاقات الدولية بكتابات ذات طابع عملي، تتمثل في وصايا ونصائح وإرشادات المفكرين للملوك والأمراء حول كيفية إدارة العلاقات الخارجية.
إلى جانب ذلك، اهتمت العديد من المؤلفات التي تندرج في إطار الفلسفة السياسية (كتابات هوبس ولوك وروسو وكانت ...) بالقضايا الدولية الخاصة بالفضاء الأوروبي.
وابتداء من القرن السادس عشر، وخصوصا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ظهرت العديد من الكتابات التي تأخذ منحى التخصص في مجال العلاقات الدولية، وذلك بفعل التطورات الكبيرة والتحولات العميقة التي شهدها الفضاء الأوروبي.
وهكذا، فمع شيوع مصطلح العلاقات الدولية والسياسة العالمية في نهاية القرن التاسع عشر، اشتد الإهتمام بظاهرة العلاقات الدولية من زوايا متعددة، وكان ذلك تعبيرا عن الوعي المتزايد بأهميتها وبخطورتها في الآن نفسه، كما كان ذلك إيذانا برغبة في السيطرة عليها بالفكر والعمل (تحت تأثير النزعة العملية التي شاعت في القرن التاسع عشر) للإستفادة منها أو للحد من مخاطرها، بل وحتى لتغييرها، لكن علم العلاقات الدولية لن يظهر إلا بعد الحرب العالمية الأولى.

2-المرحلة العلمية:

ظهرت العلاقات الدولية، كخبرة فكرية وتخصص علمي، في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الأولى، وتطورت بشكل خاص عقب الحرب العالمية الثانية.
وإذا كانت معظم الدراسات والأبحاث المتخصصة تجمع على أن علم العلاقات الدولية تأسس ما بين عامي 1919 و1923 في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فقد اعتبر جانب من الباحثين أن التأسيس الفعلي للعلاقات الدولية كفرع أكاديمي يعود بالضبط لعام 1919. ومن هذا المنطلق، تحدث بعض الباحثين عن "أسطورة 1919" كمحدد لميلاد حقل العلاقات الدولية كتخصص علمي مستقل على غرار بقية العلوم الإجتماعية الأخرى التي سبقته في هذا المجال.
ولقد قال دانيال كولار بأن هذا التخصص نشأ وتطور في كل من بريطانيا وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية للأسباب التالية:
-مرونة النظام الجامعي أكثر بالولايات المتحدة الأمريكية.
-اتساع حجم المسؤوليات العالمية التي كانت تضطلع بها الدول الأنجلوسكسونية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية.
-توفير الإمكانات اللازمة والضخمة للباحثين مما سهل عملية نشر وتعميم هذا الحقل من المعرفة.
ولقد شكلت العلاقات الدولية الأداة العلمية التي من شأنها مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية على الإهتمام بالشؤون العالمية، ومعرفة كيفية التعامل مع الغير، ورسم سياساتها الخارجية.
ومن المعروف في مجال العلاقات الدولية أن الحقل حتى وإن كان ميلاده أوروبيا خالصا (بريطانيا)، إلا أنه تطور وتشكلت هويته الأكاديمية والمعرفية في الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالنسبة لفرنسا، فمادة العلاقات الدولية لم تظهر بجامعاتها إلا في بداية السبعينات (في إطار الإصلاح الجامعي الذي أعقب أحداث مايو 1968)، بل إن القضايا الدولية لم تحتل إلا مكانة ضئيلة في الدراسات الجامعية حتى منتصف الخمسينات، وحتى منذ ذلك التاريخ لم تكتس إلا طابعا استئناسيا كتمهيد للدراسات القانونية الجادة. غير أن الأمور ستتغير انطلاقا من بداية السبعينات، ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك اهتمام بالعلاقات الدولية خارج الجامعة، بل بالعكس فلقد كانت هناك مؤسسات متخصصة في بعض جوانب هذه الأخيرة (السياسة الخارجية والحرب) ولكنها لم تظهر إلا غداة الحرب العالمية الثانية، ولم تلق إلا إقبالا محدودا.
حاصل القول إن التأسيس الأكاديمي لحقل العلاقات الدولية كتخصص معرفي ارتبط بنتائج الحرب العالمية الثانية، وتجلت الغاية منه في تجنب الحروب وفظائعها وتحقيق السلم العالمي. وهو ما يفسر اهتمام القوى الدولية بالعلاقات الدولية كعلم من أجل فهم الواقع الدولي وإدراك تفاعلاته.
ولقد نشأت العديد من معاهد ومراكز الأبحاث والدراسات حول العلاقات الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قبل أن تعمم في باقي دول أوروبا فيما بعد. وهي الأبحاث والدراسات التي اهتمت بدراسة ظاهرة العلاقات الدولية دراسة موضوعية علمية قصد فهم وإدراك حقائقها، مما ساعد على ظهور العديد من النظريات والمقتربات التي كان لها الدور الكبير في بناء صرح العلاقات الدولية.
وإذا كانت الإهتمامات الرسمية بالعلاقات والمبادلات والوثائق والمعاهدات الدبلوماسية قد سيطرت على حقل العلاقات الدولية في بداياته، وذلك عندما انضوى تحت لواء فروع من العلوم الإجتماعية كالقانون والسياسة، فإن حركة الإستقلالية والتخصص التي كان يشهدها ميدان العلوم الإجتماعية لم تستثن العلاقات الدولية من أن تكون تخصصا علميا مستقلا حتى وإن جاء متأخرا.

ثانيا: أسباب ظهور علم العلاقات الدولية:

سنقوم بعرض مجموعة من الأسباب التي قدمها الباحثون في مجال العلاقات الدولية:

1-الرغبة في تحقيق السلم والتفاهم الدولي:

بعد الحرب العالمية الأولى، كان هناك شعور قوي بضرورة إيجاد حلول علمية للصراعات الدولية.
وكان الهدف هو استخدام المعرفة العلمية في العلاقات الدولية لتعزيز السلام وتجنب تكرار الحروب المدمرة.

2-الإيمان بإمكانية الدراسة العلمية للعلاقات الدولية:

تأثرا بالتقدم العلمي في القرن التاسع عشر، كان هناك اعتقاد بأن العلاقات الدولية، مثل الظواهر الطبيعية والإجتماعية الأخرى، يمكن دراستها بشكل منهجي.
وهذا الإعتقاد دفع الباحثين إلى تطوير مناهج وأدوات بحثية جديدة لدراسة العلاقات الدولية.

3-تأثير الديمقراطية والفكر الإشتراكي:

إن انتشار الديمقراطية والفكر الإشتراكي في أوروبا والبلاد الأنجلوسكسونية زاد من وعي الجمهور بأهمية الشؤون الخارجية.
وأصبح الرأي العام أكثر اهتمامًا بمراقبة السياسة الخارجية، مما استدعى الحاجة إلى نشر المعرفة والتعليم في مجال العلاقات الدولية.

4-تكاثف الإرتباطات والصلات بين الوحدات السياسية:

زادت الثورة التكنولوجية في الإتصالات من ترابط الدول وتفاعلها.
وتزايد القوة التدميرية للأسلحة النووية جعل العالم أكثر عرضة للخطر، مما زاد من الحاجة إلى فهم العلاقات الدولية وإدارتها.

5-تزايد عدد الفاعلين في العلاقات الدولية:

لم تعد العلاقات الدولية مقتصرة على الدول، بل ظهر فاعلون جدد مثل المنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسيات.
وهذا التنوع في الفاعلين استدعى تطوير نظريات ومناهج جديدة لدراسة العلاقات الدولية.

6-الحاجة إلى إطار نظري ومنهجي:

ترافق التغيرات في المجتمع الدولي مع الحاجة إلى تطوير إطار نظري ومنهجي لفهم هذه التغيرات والسيطرة عليها.
وتمثل هذا الإطار في تطوير نظريات ومقتربات جديدة لدراسة العلاقات الدولية.
-----------------------------------
لائحة المراجع:
-مبادئ العلاقات الدولية للأستاد كمال جاد الله.
-التاريخ السياسي للعلاقات الدولية للأستاذ ناصر الدين محمود.
-محاضرات في مادة العلاقات الدولية للأستاذ حمزة بولحسن.
تعليقات